أحمد زكي صفوت

497

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدّتنا ، وإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدّة من هلك منا ومن قد فارقنا . فإن ذلك أقوى لنا على عدونا ، فأقبلت بكم حتى إذا أطللتم على الكوفة ، أمرتكم أن تنزلوا بالنّخيلة ، وأن تلزموا معسكركم ، وأن تضمّوا قواصيكم ، وأن توطّنوا على الجهاد أنفسكم ، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم ، فإن ذلك يرقّ قلوبكم ويلويكم ، وإن أهل الحرب المصابروها ، وأهل التشمير فيها الذين لا يتوجّدون « 1 » سهر ليلهم ، ولا يتوجّعون ، ولا يسأمون من ظمأ نهارهم ، ولا من خمص « 2 » بطونهم ، ولا من نصب أبدانهم ، حتى يدركوا ثأرهم ، وينالوا بغيتهم ومطلبهم ، فنزلت طائفة منكم معي معذرة ، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية ، فلا من نزل معي صبر فثبت ، ولا من دخل المصر عاد إلىّ ورجع . ولقد نظرت إلى عسكرى ، وما فيه معي منكم إلا خمسون رجلا ، فلما رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فما قدرتم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا للّه آباؤكم ! فما تنتظرون ؟ أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت ، وإلى مصركم قد افتتحت « 3 » وإلى شيعتي بها قد قتلت ، وإلى مسالحكم « 4 » تعرى ، وإلى بلادكم تغزى ، وأنتم ذوو عدد كثير ، وشركة ، وبأس شديد ، فما بالكم ؟ للّه أنتم ! من أين تؤتون ؟ وما لكم تؤفكون « 5 » وأنّى تسحرون ، ولو أنكم عزمتم وأجمعتم لم تراموا ، ألا إن القوم قد اجتمعوا ، وجدّوا وتناصحوا ، وإنكم قد ونيتم وتفرقتم ، واختلفتم ، وتغاششتم ، فأنتم إن اجتمعتم تسعدون .

--> ( 1 ) توجد سهر ليلة : شكا ما مسه من مشقته . ( 2 ) الخمص بالسكون وبالتحريك والمخمصة : الجوع . ( 3 ) المصر : كل كورة يقسم فيها الفئ والصدقات ، وهذه يجوز فيها التذكير فتصرف . والتأنيث فتمنع ، وروى في الإمامة والسياسة « قد افتتح » بالتذكير ، وفي ابن أبي الحديد بالتأنيث . ( 4 ) المسالح جمع مسلحة بالفتح : وهي الثغر . ( 5 ) أفكه كضربه : صرفه عن الشئ وقلب رأيه .